«دفء من نوع آخر».. بائع خبز يحتمي بالقرآن من برد الشوارع وقسوة الحياة
كتبت - شهيرة ونيس
في الصباح الباكر، وبين الأزقة الضيقة وشوارع المدينة المزدحمة، يتحرك عم طه أبو علي بعربته الصغيرة التي تفوح منها رائحة الخبز الطازج. ملامحه البسيطة وابتسامته الهادئة تسبقان صوته وهو ينادي على أرغفة العيش، لكن أكثر ما يلفت الانتباه ليس عربته ولا سنوات عمره التي تجاوزت الستين، بل ذلك المصحف الصغير الذي لا يفارق يديه أبدًا.
يجلس أحيانًا على طرف الرصيف، يفتح صفحاته بهدوء، وكأن بينه وبين الكلمات القديمة حوارًا طويلًا لا ينتهي. لا يبدو منشغلًا ببرد الشتاء القارس ولا بحرارة الصيف المرتفعة، فالرجل الذي قضى عمره بائعًا للخبز وجد في القرآن دفئًا من نوع آخر، دفئًا لا تمنحه الملابس الثقيلة ولا الجدران المغلقة.
يقول عم طه بصوت يغلبه التأثر:
«عمري ما حسّيت إني لوحدي في الشارع، القرآن دايمًا كان مؤنسني ومطمن قلبي».
لم يعرف الرجل مهنة غير بيع الخبز. سنوات طويلة قضاها يدفع عربته في الشوارع، يخرج منذ ساعات الفجر الأولى سعيًا وراء رزق حلال ربّى منه أبناءه. ابنته استطاع أن يزوجها رغم ضيق الحال، بينما يواصل ابنه العمل إلى جواره، مستندًا إلى نفس القناعة التي عاش بها الأب طوال عمره: الرضا بما قسمه الله.
وحين يتحدث عن علاقته بالمصحف، يبتسم ابتسامة هادئة ويقول:
«كل ما البرد يزيد أمسك المصحف وأقرأ، فأحس إن قلبي دفيان، وحتى في عز الحر بحس براحة وسكينة».
كانت أصابعه الخشنة، التي تركت عليها سنوات العمل آثارها، تقلب صفحات المصحف برفق شديد، وكأنها تخشى أن تفقد هذا السلام الذي يسكن قلبه.
ويتذكر عم طه موقفًا يراه دليلًا على لطف الله به، حين اقترب موعد زفاف ابنته ولم يكن يملك تكاليف تجهيزها، قبل أن تتغير الأمور بصورة لم يكن يتوقعها. يقول وهو يرفع عينيه إلى السماء:
«ربنا رزقني من وسع، واتجهز بيت بنتي من غير ما أطلب من حد… فإزاي ينساني وأنا ما نسيتوش؟».
هكذا يمضي عم طه أيامه بين أرغفة الخبز وصفحات القرآن، مؤمنًا أن الطمأنينة الحقيقية لا تُشترى، بل تُرزق لمن امتلأ قلبه باليقين.



تعليقات
إرسال تعليق